مجلة الفلسفة ::: الفكر السياسي المسيحي: أوغسطين والقانون الأعلى (2012-02-19)
  



الفكر السياسي المسيحي: أوغسطين والقانون الأعلى

يعتبر القديس أوغسطين مؤسّساً للفكر السياسي المسيحي أو للتفكير المسيحي في شؤون الدولة. وقد كان يرى ضرورة الإفادة من "فضلأ الوثنيين", ومن "حكمة الماضي". وهذا يعني الإفادة من الأفلاطونية المُحْدثة وإقامة علاقةٍ بينها وبين اللاهوت المسيحي (وما كان أرسطوو تفكيره معروفاً له، ولا لآباء الكنيسة الأوائل). وقد كان أفلاطون يرى أنّ هناك حقائق خالدة لا ترتبط بالزمان والمكان والظروف، وهي تتحول إلى قوانين أو نواميس. وما كان أوغسطين مفكراً سياسياً بالدرجة الأولى، لكنه أراد من وراء بحوثه إظهار الجمال الإلهي، والحقيقة والرحمة الإلهية؛ وذلك بحيث تتقاربُ المملكتان: مملكة الله الأبدية، والأُخرى الأرضية التي نعيشُفيها. فقد كان الرجل مطراناً، وكان معنياً بما يُزعج رعيته أو يفيدها في حياتها المديدة، ومن ضمن ذلك طبعاً الشأن السياسي الذي يؤثّر في الكنيسة الكاثوليكية الفتية. وهكذا فقد كان مهتماً بالحكم العادل، الذي ينظّم حياة الناس ويسعدهم فلا يكونون مثل الأسماك التي يأكل بعضُها بعضاً. وما كان الرجل حسن انطنّ بالأنظمة السائدة التي تحولت في نظره إلى عصاباتٍ تجلْب الضرر على الناس، بدلاً من منعه عنهم. وقد حدث في العصر الذي عاش فيه ذلك الامتزاج والتوتُّر بين القوانين الموروثة للدولة الرومانية، وأعراف القبائل الجرمانية، واللاهوت المسيحي الصاعد. ولننظر على سبيل الاختبار في قانون الإمبراطور جستنيان (المدوَّنة) والذي يمثّل مجموع ذلك الامتزاج، وأُنجز عام 534م. لقد اعتبر A. P. D'Entreues ذلك القانون المدوَّنة الأولى المهمّة للقانون الطبيعي، والتي اكتسبت سرياناً عالمياً. كانت هناك عناصر خاصة ببيزنطة طبعاً؛ لكنّ المدوّنين رأوا أنّ هناك مبادئ ذات صيغة إنسانية عامة وشاملة، وهي باعتبارها كذلك تعبّر عن إنسانية الإنسان، وعن الإرادة الإلهية، وعن مقتضيات الطبيعة؛ في الوقتِ نفسِه. ماذا تعني المساواة هنا؟ تعني أنّ البشر متساوون في أنهم من مخلوقات الله، وفي أنهم وقعوا منذ آدم وحواء في الخطيئة الأصلية، وأنهم منذ ذلك الحين صاروا عُرضةً للذنوب والأخطاء. ولذلك فهم يحتاجون للقانون أو بعبارةٍ أخرى يحتاجون للشريعة.

وكما كانت للقانون الطبيعي تطوراته في الإمبراطورية الرومانية الشرقية (بيزنطة)، كذلك كانت هناك تطورات في الغرب. فمع تداعي الجزء الغربي من الإمبراطورية الرومانية، ظهرت البابوية باعتبارها مرجعيةً للاستقرار وللنظام والسلام. وعبر القرون طوُّر الكهنة والرُهبان مزيجاً من القانون الطبيعي، والقانون الإلهي؛ مفترضين أنّ الأول لا يناقضُ الثاني بل يتساوقُّ معه ويهتدي به. فالكونُ من خَلْق الله، ونواميسه الأساسية موضوعةٌ من جانبه، ويسعْىَ الإنسان المؤمن للتلاؤم ضمن هذه الشريعة المزدوجة بل الواجدة من خلال العقل، وطاعة الكنيسة. وهكذا ذهب دنتريفD'Entreues إلى أنّ الرؤية السائدة في القرون الوسطى كانت أنّ الإمكانية مفتوحة للتلاؤم والتعقُّل عن الله بإشراف الكنيسة، بحيث يسودُ نظامٌ أخلاقي هدفُهُ الإنقاذُ والخلاصُ من الخطيئة الأصلية.

الملوك الدينويون وواجباتهم: الطاعة والعصيان

 اعتمدتُ في عرض هذه المسألة المهمة على كتاب Fritg Kern: Kingship and Law in the Middle Ages. فهم الأوسطيون القانون باعتباره ذلك المزيج من التقاليد الجرمانية والفرنكية، والمبادئ المسيحية. وواجب الملك الإصغاء في الوقت نفسِه لتلك الأعراف، وللروح المسيحية في الوقتِ نفسه، باعتبار ذلك مُعطيات لا تخضع لإرادة الملك أو رغباته، وتحدّ بذلك بعضَ الشيء من سُلْطاته الشخصية. وقد كان حقُّ الرعايا وواجب الكنيسة التدخل لمنع اختراق الأعراف (القانون الطبيعي) والمبادئ المسيحية. وهكذا فقد كان التأكيد – ليس مثل اليوم – على الواجب (المشترك)، وليس على الحقّ. والواجب المشترك في الحفاظ على نظام الحياةوالمملكة يضمُّ الرعايا والملك والكنيسة معاً. فكان من واجب الرعية إذن أن تتصدى للملك إن جرى الإخلالُ بالقانون السائد. والتصدي لا يعني المواجهة المباشرة؛ بل يشمل الصبر والترقُّب وتحمُّل المعاناة إلى أن يخرج الأمر ممن حدود الاحتمال، ويصير الحاكمُ طاغية، فتجوزُ الثورةُ، وتنحية الملك. وكما يقرر Kern فإنّ الَملَكية كانت تتضمن الشرعية أو المشروعية، وتتخلخلُ تلك الشرعيةُ بالخروج عن القانون . وهذا الفهم كان موجودُ في التقاليد السابقة على المسحية، وقد أكّدتها المسحيةُِ الأوروبيةُ الأولى؛ وبذلك في تسبق "نداء السماء" الذي تحدث عنه جون لوك . ويذهب كرى إلى أنّ هذه الفكرة تكمن وراء نوعي أو صيغتي السلطة الملكية: المطلقة والدستورية . أنما أصل نظرية السلطة المطلقة روماني، وأصل السلطة المقيدة جرماني . الأولى تتحدث عن الحقّ الألهي للملوك، فتضع السلطة الدينية تحت سيطرة السلطة الملكية. والثانية الجرمانية تفصلُ بين السلطتين الدينية والملكية، وتضعُهُا معاً تحت سيطرة القانون الطبيعي والألهي معاً . وفي ظروف الأزمات تعلو السلطة الدينية على السلطة الملكية، وتستطيع الكنسيةُ التدخٌل لحماية القانون الإلهي أو الأعلى .

الوسوم :أوغسطين   القانون   المسيحية  

الموضوع التالى : فلسفة الخطأ الإنساني

مواضيــع ذات صلة:
Bookmark and Share
اضيفة بواسطة : عمر26 تاريخ الإضافة: 2012-02-19 تعليق: 0 عدد القراء :5441
 
التعليقات


الإسم
البريد الإليكترونى
اكتب التعليق
تغير كود التحقق
ادخل كود التحقق
القائمة الرئيسية
المجلة الرياضية
مجلة الأخبار
المجلة الاقتصادية
مجلة المجتمع
مجلة الرجل
مجلة المرأة
المجلة الأدبية
مجلة الخواطر الإيمانية
مجلة التنمية وتطوير الذات
مجلة الافلام الوثائقية
مجلة الطفولة المبكرة
مجلة الفلسفة
مجلة الكاريكاتير
جديد المقالات
  القيم في الفكر الغربي ...
  مارادونا: "ميسي لا يست ...
  قصة الدرهم الواحد
  قصة القارب العجيب
  بشرتك تحتاج من يحميها ...
  جوزي مورينيو: "المنتخب ...
  رونالدو يتمنى نهائي ال ...
  اعرف نفسك: لماذا لا تح ...
  صادق نفسك تجد سعادتك
  كلمة وصورة
افضل 5 محررين
عمر26
بحث فى الموقع

صفحة دخول المحررين - مجلة - مركز تحميل - منتديات - السوق الالكتروني

جميع الحقوق محفوظة لمجلة الأبتسامة